كيف يمكن للذكاء الاصطناعي المساهمة في مساعدة كبار السن؟


محمد معاذ

باحث في الذكاء الاصطناعي

 

المصدر: Keith Bujak

مع تقدّم العمر، هناك عددٌ كبيرٌ من المشكلات التي قد يواجهها المسنون. يمكن أن تكون حالات جسدية مثل التهاب المفاصل وآلام العضلات، أو حالات عقلية مثل الخرف ومرض الزهايمر، أو حتى اجتماعية مثل الشعور بالوحدة وغيرها. هذه المشاكل قد تكون مزعجة ليس فقط للشخص نفسه، بل أيضًا لمن حوله. إنّ الذكاء الاصطناعي وحده لن يحلّ مثل هذه المشاكل، إلّا أنه يمكن أن يجعل الحياة أسهل بالنسبة للمسنّين بطرقٍ متعددة، وهذا ما ستحاول المقالة تسليط الضوء عليه.

1- الرقابة الصحية

غالبًا ما يتعامل المسنون مع أكثر من حالةٍ صحية تتطلّب اهتمامًا كبيرًا ومراقبة مستمرة. وقد يكون من الصعب عليهم فعل ذلك. ولكن يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في هذا الصدد. وهذا ما تقوم به "كارنت هيلث" وهي خدمة مراقبة صحية تعمل على الاستعانة بالخوارزميات الذكية لمراقبة المخاطر التي يمكن أن تهدّد المريض المسنّ باستمرار، ما يسمح بالتدخّل السريع عند الحاجة. وتتمّ المراقبة عبر جهازٍ متّصل بذراع الشخص وموصول عبر الإنترنت. وتكون التدخّلات مؤتمتة، حيث يتفاعل المريض مع برنامج الدردشة من أجل تحديد أي مشاكل محتملة. وربما يكون التحدّي الأكبر الذي تواجهه هذه الأداة، هو سيناريو عدم شعور المريض بالراحة تجاه التكنولوجيا، وبالتالي قد يجد صعوبةً في التفاعل مع الخدمة المذكورة. ومع ذلك، قد تكون هذه الأداة مفيدة للمسنين الذين يعانون من الأمراض المزمنة كالسكّري أو الانسداد الرئوي وغيرها، بل يمكن أن تكون منقذة للحياة في بعض الحالات.

 

المصدر: Daigo Orihara

2- المساعدة على الحركة

يعاني المسنّون في الغالب من مشاكل في الحركة والتنقّل، وذلك لعدة أسباب بينها آلام العضلات وضعفها. يمكن أن يكون هذا الأمر صعبًا بالنسبة لهم، حيث يجدون أنفسهم غير قادرين على أداء المهام، أو حتى الوصول إلى أماكن اعتادوا الوصول إليها في السابق. وقد تسمح بعض الوسائل كالكراسي المتحركة لمثل هؤلاء الأفراد بالتجوّل. ولكن أيضًا، يمكن العثور على حلّ أفضل يتمثّل في هياكل خارجية تعمل بالذكاء الاصطناعي للمساعدة على التنقّل. وقد صمّم علماء في جامعة "غرونوبل" الفرنسية مثل هذه الهياكل، لرجلٍ يعاني من شللٍ رباعي، وقد تحقّق ذلك عن طريق زرع مستشعرٍ بين الدماغ والجلد، يمكنه تفسير إشارات الدماغ ونقلها إلى خوارزمية تعلّم عميق لفكّ التشفير، والتي ترجمت الإشارات إلى حركات، وأمرت هيكلاً خارجياً آلياً يشبه الروبوت لتطبيقها والاستجابة لها على شكلٍ حركي. وبذلك استطاع التحكّم في الذراعين، والمناورة بهما في فضاءٍ ثلاثي الأبعاد، بينما بقي مربوطاً في الهيكل الخارجي. وعلى الرغم من أن الدراسة لم تحقّق نجاحًا كاملًا، إلا أنّ الحصول على قدرة الحركة ولو بشكلٍ محدود يعدّ أمرًا واعدًا لمستقبل هذه التكنولوجيا. وفي حالة كبار السن، فإنّ أغلبهم لن يصاب بالشلل إلى هذا الحدّ، فمنشأ المشاكل في حركتهم تكمن نتيجة الضعف في العضلات. ومن الممكن تطوير "عضلات خارجية" محدّدة للتعويض عن ذلك، وهو حلّ أكثر عمليةً من بدلة هيكلٍ خارجي كامل كما هو الحال في اليابان حيث يجري الاستعانة بالهياكل الخارجية لمساعدة كبار السنّ على أداء أعمالهم بشكلٍ أفضل. لكنّ العقبة الرئيسية ستكون في التكاليف الباهظة التي تنطوي عليها الحاجة إلى تدريب العضلات الخارجية خصيصًا للفرد.  كما أنّ هناك مشكلةُ أخرى تتمثّل في إحجام الجيل الأكبر سنًّا عن إدخال الرقائق في دماغهم بسبب الخوف العام من التكنولوجيا أو ربّما بسبب مشاهدة بعض أفلام الخيال العلمي والتي تُظهر أن "شرائح الدماغ" ستؤدي إلى "السيطرة على العقل". ولكن، إذا كان من الممكن تعميم هذه التكنولوجيا، فإنها ستساهم في تحسين نوعية الحياة للأفراد المسنين وتسهيل حركتهم.

3- إدارة المرض

يعاني عدد كبير من كبار السنّ من الخرف. وحاليَّا، لا يتوفّر أيّ علاجٍ فاعلٍ لهذا المرض. لكن يجري الاستعانة بالذكاء الاصطناعي. وتنطوي إمكانية استخدامه على عددٍ من الطرق المختلفة من أجل تحسين حياة أولئك الذين يعانون من هذه الحالة. وقد تمّ استخدام الخوارزميات في أبحاث الخرف، حيث جرى جمع كمياتٍ كبيرة من البيانات المتأتّية عن عمليات مسح الدماغ، من أجل تحديد علامات هذا المرض، وإمكانية الرصد المبكر له، لأنّ هذا من شأنه السماح بمراقبة وتحليل الأعراض وإدارتها بشكلٍ أفضل. وعلاوةً على ذلك، يمكن استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبّؤ بمستقبل أولئك الذين يعانون من الخرف وكيفية احتمال تغيّر ظروفهم، بحيث يمكن العمل على علاجٍ محدد لإبطاء تغييرات المرض. كما يمكن أيضًا من خلال هذه التقنية المساعدة في رعاية المسنين الذين يعيشون في المراحل الأخيرة من المرض، ووضع أجهزة الاستشعار الذكية في المنزل من أجل تحديد أنماط السلوك الخطرة وإرسال التنبيهات بمجرد تحديدها، مما يقلّل من خطر هذه الأعراض على الشخص المريض.

 

4- الرفقة

تستوطن  الوحدة بين كبار السن. وفي كثيرٍ من الأحيان، قد يشعر بعضهم بالعزلة الاجتماعية نتيجة عدم وجود أحد من أفراد الأسرة على قيد الحياة، أو الشعور بفقدان الفرص الاجتماعية في العمل وغيرها من الأسباب. وقد حاولت شركة "Intuition Robotics" حلّ هذه المشكلة باستخدام الذكاء الاصطناعي، فأنشأت "ElliQ" وهو عبارة عن روبوت دردشة ذكى يعمل على تحصيل البيانات في الوقت الفعلي، من أجل بدء محادثات مناسبة مع المستخدمين طوال اليوم،  ويتمّ ذلك باستخدام خوارزميات تنبّؤية لتحديد احتياجاتهم وكيف يرغبون في التفاعل مع الروبوت. وهناك أيضًا روبوت شبيه بالبشر يُدعى "بيبر" من إنتاج شركة "سوفت بانك روبوتيكس" اليابانية، ويستطيع التعرُّف على الوجوه والمشاعر البشرية الأساسية، ويشارك في الحوارات من خلال شاشةٍ تعمل باللمس على "صدره"، فضلًا عن أنّه لديه القدرة على إتقان عددٍ من اللغات. ومع التقدّم السريع للتكنولوجيا وتزايد تعقيد برامج الدردشة الآلية، ربما يمكن العثور على حلّ للشعور بالوحدة لدى كبار السنّ، لكن تبرز تساؤلات حول مدى التفاعل مع آلةٍ لا تستطيع تكوين أي مشاعر أو عواطف في أصلها، خصوصًا أنّ الروبوتات تتلخّص في مجموعة من الخوارزميات، فيما رعاية المسنين تتطلّب حضور اللمسة الإنسانية.


في النهاية، يبدو أنّ هناك عددًا من الطرق التي يساعد بها الذكاء الاصطناعي بالفعل كبار السن.  وسيكون لهذه التقنية القدرة على إحداث طفرةٍ في رعايتهم، ما يقلّل الحاجة إلى دُور المسنين، وتقليل الإحساس لديهم أنهم "عالة" على غيرهم، الأمر الذي من شأنه أن يسهم في تقليل التبعات النفسية للتقدّم في العمر لديهم.



تعليقات

Popular Posts

الفرق بين تعلم الآلة وعلم البيانات والذكاء الاصطناعي والتعلم العميق والإحصاء

الذكاء الإصطناعي و مشروع نيوم

إستخدامات الذكاء الاصطناعي في مواجهة فيروس كورونا

خمس سلبيات مباشرة للذكاء الإصطناعي

أبرز أربعة تقنيات عملية للذكاء الإصطناعي

الذكاء الإصطناعي ونفط المستقبل

أبرز ست وظائف سيقضي عليها الذكاء الاصطناعي

معالجة اللغات الطبيعية : تحديات اللغة العربية