ما هي استخدامات الذكاء الاصطناعي في الطب النفسي؟

محمد معاذ

باحث في الذكاء الاصطناعي،

 

المصدر: Getty Images

يعاني ما يقدّر بنحو  800 مليون شخص من اضطرابات في الصحة العقلية والنفسية حول العالم - ما يعادل أكثر من واحد لكل عشرة أشخاص - ومن المتوقّع أن يزداد هذا العدد في ظلّ جائحة "كوفيد 19" التي لا تزال نشطة حول العالم. ليس هناك ما يكفي من المتخصصين في هذا المجال لعلاج جميع هؤلاء، وهذا ما يؤكّده "مورالي دوريسوامي" أستاذ الطب النفسي والعلوم السلوكية في جامعة "Duke" الأميركية، متسائلًا عما إذا كانت تقنية الذكاء الاصطناعي قادرة على سدّ هذه الفجوة. فكيف يمكن لهذه التقنية المساعدة في مجال الصحة العقلية والطب النفسي؟ هذا ما سنحاول الإجابة عليه في هذه المقالة.

 


١- التنبّؤ والكشف المبكر

في المستقبل، قد يذهب المريض إلى المستشفى بذراعٍ مكسورة ويغادر بجبيرة مع تسجيل ملاحظات حول سلامة صحته العقلية والنفسية. هذا ما يسعى إليه العلماء من خلال نظام ذكاء اصطناعي، يهدف إلى رصد السلوك النفسي في وقتٍ مبكر، والمساعدة في الحد من ظهور الأمراض النفسية الشديدة مثل الاكتئاب. وتستخدم خوارزمية التعلم الآلي التي تم إنشاؤها في مركز "فاندربيلت" الطبي الجامعي الأميركي بيانات دخول المستشفيات، بما في ذلك العمر، والجنس، والأدوية، والتاريخ التشخيصي وغيرها، للتنبّؤ باحتمالية القيام بمحاولة انتحار. وقد جرى استخدام البيانات التي جُمعت من أكثر من 5000 مريض تم إدخالهم للمستشفى إمّا بسبب التعرّض لأذى ذاتي، أو محاولات قتل أنفسهم، واستطاعت الخوارزمية توقّع ما إذا كان الشخص سيحاول الانتحار في الأسبوع التالي بنسبة 84 %، في حين وصلت نسبة الدقّة خلال العامين التاليين إلى 80%. وفي تجربةٍ أخرى، أثبت الباحثون أنّ الهاتف الذكي المقترن بخوارزمية مراقبة سلوك المستخدم على مدى فترة من الوقت قد يأتي بتشخيصٍ مماثل. ووفقًا للدراسات الأوليّة، فإن التغيّرات في سرعة الكتابة، ونبرة الصوت، واختيار الكلمات يمكن أن تشير إلى وجود مشكلة. وفي الوقت الحالي، يختبر الباحثون تطبيقات تستخدم الذكاء الاصطناعي لمحاولة التنبؤ بنوبات الاكتئاب أو إيذاء النفس المحتمل. وهناك أداة أخرى تسمى "EARS" تستخدم أيضًا بيانات الهاتف لتحديد الأشخاص الذين يعانون من محنة نفسية، وقد تساعد مستقبلًا في الإبلاغ عن الأفراد المعرّضين لخطر الانتحار. كما قام "فيسبوك" أيضًا بعملٍ مشابه على المنصات الخاصة به. وسمحت الشركة للمستخدمين بالإبلاغ عن المحتوى الانتحاري، وكثّفت جهودها عام 2017 بعد قيام العديد من الأشخاص ببثّ مباشر لعمليات قتل أنفسهم، كما جرى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي للقيام بشكلٍ تلقائي بإعلام مراجعي الشركة من البشر بأيّ منشورات من هذا النوع.


٢- الكفاءة في المقابلات

يمكن إجراء المقابلات الإكلينيكية المنظّمة في المستقبل بشكلٍ كاملٍ من قبل أشخاص رقميين، وفي هذه الحالة قد لا يكون المريض مثقلًا بالأعباء المترتّبة على تقاسم الأسرار مع كيان افتراضي أو حتى الخجل من الحديث كما الحال أحيانًا مع البشر. وفي  إحدى الدراسات، أجرى شخص افتراضي مقابلات مع أناس حقيقيين يعانون من مشاكل عاطفية، وتمّ تحليل أنماط الكلام المميزة، مثل مخارج الحروف، وأنماط لغة الجسد مثل الاتجاه الذي ينظر إليه شخص ما. وإذا علمت الآلة أنّ الأشخاص المصابين بالاكتئاب لا يفتحون أفواههم بنفس اتّساع الأشخاص غير المكتئب، بوسعها استخدام تحليل الكلام لتحديد الأكثر عرضة للإصابة بالاكتئاب. مثل هذه التكنولوجيا لديها القدرة على تحسين البحث والعلاج بشكلٍ كبير. كما يمكن أن تجد الخوارزميات الذكية أنماطًا وسلوكًا قد يفوتها البشر الذين يجرون المقابلات، لأننا جميعًا لدينا انحياز معرفي، وهذا ما يشير إليه بحث آخر، حيث تمّ تحديد المزيد من أعراض اضطراب التوتّر بعد الصدمة، للأفراد الذين تحدّثوا إلى شخصية افتراضية، وذلك مقارنةً مع الذين أجروا مقابلات مع معالجين بشر، من خلال استخدام تحليل تعابير الوجه.

 

المصدر: iStock

٣- برمجيات الدردشة الآلية

في السنوات الأخيرة، تمّ تطوير العديد من التطبيقات المرتبطة بالصحة العقلية، التي يمكنها الاستماع والدردشة في أيّ وقتٍ أو مكان، دون الحاجة لتحديد موعدٍ مسبقٍ كما هو الحال مع المعالج النفسي البشري. وعلى سبيل المثال، يهدف تطبيق "Woebot" وهو مساعد ذكيّ إلى تحسين الحالة المزاجية للأشخاص، وهو يقوم بالتواصل بشكلٍ مفيدٍ مع المستخدم، وإظهار بعض تعابير "التعاطف" معه، مع منح فرصة للتحدث عن المشاكل، والحصول على بعض الاستشارات والنصح. وكذلك يفعل تطبيق "Moodkit" الذي يساعد المستخدمين على تخفيف أعراض المرض النفسي، كما أنه يبني الأنشطة الموجّهة على إنجازات العلاج السلوكي الإدراكي من أجل تحديد وتغيير أنماط التفكير السلبي بمرور الوقت. وهناك تطبيق الدردشة القائم على الذكاء الاصطناعي "ويسا" (Wysa)، وتمّ تطويره بالتعاون مع باحثين من جامعتي "كولومبيا" و"كامبريدج" ويهدف لمساعدة المستخدمين على إدارة عواطفهم وأفكارهم، وتقوية مهاراتهم النفسية عن طريق الحديث إليهم في شكل علاجٍ سلوكي معرفي بتوجيه أسئلة منتقاة تساعد المرء في التعامل بشكلٍ أفضل مع مشاعره.


إنّ مواجهة قضايا الصحة العقلية تعدّ واحدة من أصعب التحديات في الحياة. وتشير الإحصاءات إلى موت شخصٍ واحد كل 40 ثانية نتيجة الانتحار ، كما أنّ هناك أكثر من 20 شخصًا آخرين يحاولون إنهاء حياتهم. ومع تزايد الإحصاءات حول الاضطرابات النفسية، سيكون للذكاء الاصطناعي دورٌ أكبر في مساعدة الناس في الرعاية بمجال الطب النفسي. وإن كان بوسعنا أن نمنع ولو شخصاً واحداً فقط من التفريط بحياته بمساعدة التكنولوجيا، فسنكون قد فزنا بالفعل!







تعليقات

Popular Posts

الفرق بين تعلم الآلة وعلم البيانات والذكاء الاصطناعي والتعلم العميق والإحصاء

الذكاء الإصطناعي و مشروع نيوم

إستخدامات الذكاء الاصطناعي في مواجهة فيروس كورونا

خمس سلبيات مباشرة للذكاء الإصطناعي

أبرز أربعة تقنيات عملية للذكاء الإصطناعي

الذكاء الإصطناعي ونفط المستقبل

أبرز ست وظائف سيقضي عليها الذكاء الاصطناعي

معالجة اللغات الطبيعية : تحديات اللغة العربية